برئاسة رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، والمخصص لمتابعة مشاريع التحول الرقمي، استكمال حزمة واسعة من المنظومات والخدمات الإلكترونية خلال السداسي الأول من سنة 2026، مستهدفة بشكل مباشر بيئة الأعمال والخدمات الموجهة للمواطنين والمؤسسات.
في خضم ظرفية اقتصادية وطنية يتنازعها شحّ التمويل الخارجي وضغوط الميزانية العامة، يبرز خيار "التحول الرقمي" كأحد أهم الرهانات التكتيكية لتحسين نجاعة الدولة وتقليص كلفة المعاملات الاقتصادية، غير أن الانتقال من مرحلة المساطر الإدارية إلى مرحلة تحقيق القيمة الاقتصادية المضافة يطرح إشكاليات جوهرية تتصل بمدى قدرة هذه المنصات الرقمية على تحفيز الاستثمار الخاص وكبح الاقتصاد الموازي، وإمكانية تعويض رقمنة المعاملات للعوائق الهيكلية المرتبطة بالتشريعات ونقص السيولة، أو اكتفائها بكونها واجهات إلكترونية لإجراءات بيروقراطية معقدة.
كلفة المعاملات و مناخ الاستثمار
شكل إطلاق المنصة الوطنية للمستثمر والرقمنة الشاملة لمعاملات السجل الوطني للمؤسسات حجر الزاوية في برنامج السداسي الأول لعام 2026 لتحسين مناخ الأعمال. من المنظور الاقتصادي، تُعد البيروقراطية الإدارية وتعدد المتدخلين بمثابة ضريبة خفية ترفع من تكاليف المعاملات وتزيد من المخاطر التشغيلية للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء. إن إتاحة خدمة التصريح بالوجود عبر الإنترنت وتسهيل إجراءات التأسيس يقلصان الاستغراق الزمني اللازم لدخول السوق، وهو مؤشر حيوي يعتمده تقييم تنافسية الاقتصاد. كما أن السجل الوطني الرقمي للمؤسسات يرفع من مستويات الشفافية الشاملة، ويسمح بتسريع التحقق من الملاءة المالية والهياكل القانونية للشركات، مما يعزز الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين والجهاز المصرفي. غير أن التحدي المتبقي لا يكمن في إطلاق المرفق الرقمي فحسب، بل في مدى تجاوب الإدارات القطاعية المتدخلة في منح التراخيص وتفكيك منظومة كراسات الشروط المعقدة، والتي طالما عطّلت تحويل هذه التصاريح الرقمية إلى استثمارات فعلية على أرض الواقع.
تعميم الخدمات الوطنية
تضمنت إنجازات السداسي الأول التوسع في نشر الخدمات الرقمية الموجّهة للمواطنين، والتي شملت تجديد جوازات السفر للتونسيين بالخارج عن بعد، وترجمة وثائق الحالة المدنية، وتعميم منظومة الطابع الجبائي الإلكتروني، إلى جانب إطلاق بوابة "تعمير" لرخص البناء لدى البلديات، واستكمال نشر أربع وثلاثين دار خدمات رقمية موزعة على إحدى وعشرين ولاية، فضلاً عن البوابة الموحدة للحياة المدرسية وخدمات المستشفى الرقمي. تتجاوز هذه الخطوات البعد الخدمي المباشر لتلامس عصب الكفاءة التوزيعية للموارد العمومية، إذ إن تقليص التنقل الفيزيائي بين المقرات الإدارية يوفر ملايين ساعات العمل الضائعة سنوياً، ويخفض استهلاك الطاقة والوقود في المرفق العام، وهو ما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية الكلية للاقتصاد. علاوة على ذلك، فإن الشمول الجغرافي عبر دور الخدمات الرقمية يقلص الفوارق الجهوية في النفاذ إلى الفرص الاقتصادية، كما تتأكد الأهمية الاقتصادية لبوابة "تعمير" في تسريع الدورة الاستثمارية لقطاع الإنشاءات والعقارات، وهو قطاع كثيف العمالة ومحرك رئيسي لسلاسل التوريد المحلية، طالما عانى من تجميد رؤوس الأموال لشهور طويلة في انتظار تراخيص البناء.
الحوكمة الجبائية والسيطرة على النفقات
يُعد الشروع في تعميم منظومة تسجيل عمليات الاستهلاك على عين المكان وتطوير المنظومة الوطنية لمتابعة المشاريع العمومية خطوتين متقدمتين نحو إعادة بناء الحوكمة المالية للدولة. من الناحية الضريبية، تُشكل أجهزة التسجيل الإلكترونية أداة محورية لتعزيز الامتثال الجبائي وتوسيع القاعدة الضريبية دون الحاجة لزيادة النسبة الجبائية على الفاعلين الملتزمين، حيث إن ربط المبيعات الحينية بقواعد بيانات الإدارة الجبائية يحجم مساحات التهرب الضريبي في قطاعات التجارة والخدمات، ويدعم جهود دمج الاقتصاد الموازي الذي يمثل نسبة هامة من النشاط الاقتصادي. وعلى جانب الإنفاق العمومي، تتكامل هذه الخطوات مع تطوير منصات الترابط البيني وبوابة الخدمات الإدارية الموحدة ومنصات حوكمة المياه، حيث تتيح منظومة متابعة المشاريع الحجمية للفاعل الاقتصادي التنبؤ بجدول الإنجاز وتحد من ظاهرة التثقيل المالي الناجم عن تأخر إنجاز البنيات التحتية، إذ يتسبب كل يوم تأخير في كلفة إضافية تنخر الميزانية العامة وتضعف المردودية الاقتصادية للمشاريع التنموية.
القيود التشريعية
رغم هذه النتائج المشجعة على المستوى الإجرائي، إلا أن القراءة الاقتصادية الموضوعية تفرض التمييز بين الرقمنة الإدارية والإصلاح الهيكلي الشامل، فالمنصات الرقمية، مهما بلغت درجة كفاءتها البرمجية، تظل مجرد قنوات لنقل الإجراءات والخدمات. إن نجاح منصات نوعية مثل منصة تسجيل المصدرين الأجانب أو المنصة الرقمية لتسويق منتجات النساء والفتيات في الوسط الريفي يتوقف بالأساس على توفير البنية التحتية الصلبة، بدءاً من شبكات الاتصال عالية التدفق في المناطق الداخلية، ووصولاً إلى وسائل الدفع الإلكتروني المرنة والحلول اللوجستية منخفضة التكلفة. إضافة إلى ذلك، لا تزال منظومة الدفع الإلكتروني والتحويلات المالية تتطلب تحريراً أكبر وتسهيلاً للمعاملات بالعملة الأجنبية لتواكب التطورات العالمية، حيث يمثل قانون الصرف الحالي عائقاً أمام تدفقات رؤوس الأموال والشركات الناشئة التي تطمح للوصول إلى الأسواق الدولية، وبدون إصلاح تشريعي موازٍ يفكك عوائق الاستثمار ويُصلح المنظومة المصرفية، ستظل الرقمنة أداة لتسهيل المعاملات اليومية دون أن تتحول بالضرورة إلى محرك نمو نفاذ يخلق الثروة ومواطن الشغل.
تثبت إنجازات السداسي الأول من سنة 2026 أن الإرادة الحكومية متجهة بثبات نحو تقليص المعاملات الورقية وبناء إدارة أكثر حداثة، غير أن الرهان الحقيقي للسداسي الثاني وما بعده لا يكمن فقط في عدد البوابات المفتوحة أو الخدمات المرقمنة، بل في قياس أثرها الاقتصادي المباشر من حيث حجم الاستثمارات الفعالة التي استقطبتها المنصات والآجال الفعلية التي تم اختصارها في دورة حياة المشاريع. إن تحويل هذه النجاحات التقنية إلى نمو اقتصادي ملموس يتطلب الانتقال السريع نحو جيل جديد من الإصلاحات، يعتمد على تقنيات البنك المفتوح، ويدمج التقنيات المالية الحديثة، ويفكك القيود المكبلة للمبادرة الخاصة، حتى لا تظل الرقمنة غاية في حد ذاتها، بل رافعة أساسية للاقتصاد الوطني.
رهانات التحول الرقمي في تونس: نجاعة الإستثمار وتحديات كسر الركود والعراقيل الإدارية
- بقلم زمردة دلهومي
- 12:43 18/08/2026
أظهر الاجتماع الأخير للمجلس الوزاري المضيّق
آخر مقالات زمردة دلهومي
- السيادة الاقتصادية الجديدة: التمويل الأخضر طوق نجاة الصناعة التونسية
- من الطريق السيارة إلى الطريق الذكية: تونس تدخل عصر إدارة المرور بالبيانات
- الاستثمارات الآسيوية في تونس: من هامش الحضور إلى رهان الشراكة الصناعية
- السياحة التونسية تعبر عتبة الأرقام القياسية وتدخل اختبار القيمة المضافة
- تونس والهيدروجين الأخضر.. شمال إفريقيا على بوابة صناعة الطاقة الجديدة